لماذا نتجنب الحميمية بينما نتلهف للحب؟

خمس طرق للتغلب على الخوف من الحب

 

جميعنا تقريبًا نتمنى أن نكون في علاقة مليئة بالحب، فالروابط الاجتماعية هي المكوّن الأساسي للسعادة.

الوحدة شعور قاتل وجائحة كوفيد-19 زادت الوضع سوءًا. ومع ذلك، فإن كوفيد ليس أكثر من ذريعة أخرى في حين أن المشكل الأساسي يكمن عميقا في ذواتنا.  

أتبين ذلك حينما أنظر لنفسي في السنوات الخالية؛ فمع أنني كنت أتوق للحب والحميمية، إلا أنني دائمًا ما كنت أختار شركاء لحياتي ليسوا مستعدين أو لديهم الرغبة في الارتباط بشكل جدّي، الأمر الذي دائمًا ما كان ينتهي بتحطيم قلبي. وفي إحدى المرات سألني أحدهم السؤال الذي غير نظرتي للأمر: “أليس ممكنًا أن تكوني أنتِ نفسك غير مستعدة لعلاقة حميمية؟” وبعد التفكير مليًا في هذه الاحتمالية، خلُصت إلى أنني بالفعل كنت أتجنب الارتباط الحميمي باختياري لشركاء غير متاحين (لا يمكن الارتباط بهم لسبب أو لآخر). وحيث أنني شخصية محبة وعطوفة فقد كان من الصعب عليّ أن أرى بوضوح الدور الذي لعبته في تلك العلاقات. بعد هذا الاستنتاج، استغرق الأمر وقتًا كثيرًا وبذلت مجهودًا ليس بالهيّن للوصول إلى أسباب تجنبي للحميمية بل وأكثر من ذلك لتجاوز نمطي اللاواعي.

تعرض خبيرة التعلق الألمانية ستيفاني ستال Stefanie Stahl في كتابها أن هناك ثلاثة نماذج للأشخاص الذين يعانون من الخوف من الحميمية: المتعقّب، الأميرة، ورافض التعاون:

  • المتعقّب (والمتعقّبة) يُظهرون اهتمامًا طالما أنه لا يمكنهم الحصول على الشريك المحتمل. وبمجرد حصولهم على ذلك الشريك يصبح المتعقّب صعب المنال. وفي جميع الأحوال، يحافظ المتعقّب على مسافة آمنة تحميه من تهديد الحب. 

 

  • الأميرة (والأمير) دائمًا ما يجدون عيبًا في الطرف الآخر ويصل الأمر في النهاية إلى الانفصال عنه. 

 

  • رافضو التعاون يفضلون التحكم في الحميمية والإبقاء على مسافة مع الآخر عن طريق الانشغال في العمل الزائد عن الحد أو من خلال هواية تستغرق الكثير من الوقت.  

 

وتشير ستال Stahl إلى أن هناك العديد من الطرق الأخرى للهروب من الحميمية، مثل الخيانة، الدخول في علاقات عن بعد (وأضيف هنا أيضًا العلاقات عبر الانترنت)، قطع التواصل، وبالطبع، اختيار شريك غير متاح (لا يمكن الارتباط به لسبب أو لآخر) – وهذه الأخيرة تعتبر الطريقة الصامتة (غير المباشرة)، التي يصعب التعرف عليها.

يُجمِع العديد من علماء النفس على أن تجنب الحميمية ينبع من خوف لاواعٍ من الهجر. بشكل ما فإن الشخص المتجنّب للحميمية كانت لديه تجارب قوية تجعله يشعر بالخطر الكبير من إمكانية حدوثها مرة أخرى. عادةً ما يتلهّف الأشخاص، المتجنبون للحميمية، للحب مثل أي شخص آخر، ولكن فقط ليجعلوا هذا الحب مستحيلًا بطريقة فاعلة (مباشرة)  أو  لا فاعلة (غير مباشرة). وتؤسس هذه التجارب القوية نمطًا فطريًا للسلوك في المستقبل. 

يعتقد بعض علماء النفس أن مشاكل التعلق دائمًا ما تكون نتيجة فشل في الارتباط الآمن بالحاضن الأساسي خلال فترة الرضاعة والطفولة: أي أن الثقة الأساسية قد تعرضت للخيانة. ومن المفهوم أن مثل هذه التجارب الأوّلية تترك بصمة لاواعية في الذّهن.

بينما يعتقد علماء نفس آخرون أن الشخص قد يمر بتجارب قوية في أي وقتٍ خلال مرحلة النضوج. على سبيل المثال، قد يربط المراهق بين شعوره بالاستغلال أو الاختناق وشعور الحميمية إذا شعر بالاستغلال من طرف أم/ أب محتاجين عاطفيا.

في حين أننا جميعًا نحتاج للحب، فإن حاجتنا للاستقلال قد تسيطر على عقولنا إذا لم نشعر بالأمان والاستقرار الذاتي. فقد تستثار مشاعر الذعر أو الانفعال عند الاقتراب من الشعور بالوقوع في الحب مؤديةً إلى تدمير أكثر العلاقات الواعدة.

 

هل كل العلاقات التي يعاني أحد أطرافها من مشاكل في الحميمية محكوم عليها بالفشل؟

 

يعتقد الكثير من الخبراء أن كلا الطرفين يمكنهم العمل سويًا للتغلب على الخوف اللاواعي من الهجر أو التورّط في الحب. الأمر كله يبتدئ ب:

 

1- تحمل المسؤولية. سواء كنا الشخص الذي يبعِد الشريك الحميم بشكل فاعل أو نتقبل بشكل لا فاعل شخصًا يقوم بإبعادنا، علينا الاعتراف بأن المشكلة تكمُن بداخلنا. علينا الاعتراف بالنمط الخاص بنا. (أرجو أن يكون المعنى واضحًا دون الحاجة للقول أن تحمل المسؤولية لا يعني أبدًا تحمل اللوم على الإساءة.) قد يحتاج البعض منا لمساعدة معالج للتعرف أكثر على النمط الخاص به.

2- ضع في اعتبارك حقيقة أنه بإمكانك أن تتغلب على الأنماط القديمة للتعلق والخوف بأنماط جديدة من الحب والشجاعة. يمكننا أن نتعلم كيف نحب. لا يفوت الأوان أبدًا على الحب حيث أن أدمغتنا البشرية مصممة على شعور التقارب.

3- من أكثر العوامل المساعدة أن يكون شريك الشخص المتجنب للحميمية هادئًا ولديه القدرة على التعامل بحميمية ولكنه يخفض سقف توقعاته حينئذٍ. ومن المهم جدا أن يعطي مساحة للطرف الآخر لتلبية حاجته من الاستقلال و/ أو الأمان. كما يجب على الشخص المتجنب للحميمية أن يتعلم تقبل شعوره بعدم الارتياح، الأمر الذي يكون ممكنًا فقط عندما يكون الانفصال شيئًا مقبولًا. يجب التوافق حول بعض النقاط. مرة أخرى، قد يحتاج الطرفان لدعمٍ إضافي للتفاوض بشأن توفير شبكة أمان للشخص المتجنب للحميمية.

4- تعوّد على الحميمية. يدعو خبير التعلق كارل هاينز بريسك Karl Heinz Brisch للمراقبة الدؤوبة للنفس وتبادل الملاحظات مع الطرف الآخر. ووفقًا لبريسك Brisch، يجب أن يشعر الشخص الخائف المتجنب للحميمية بشكل واعٍ ومستمر أنه لن يتم هجره في علاقة حب. في نهاية المطاف، سيقضي التعّرض لتجارب إيجابية جديدة على الخوف القديم. قد يكون من الأكثر دقة أن نقول أنه يمكننا تعلم التعامل مع مخاوفنا أو شعورنا بعدم الراحة بدلًا من الهروب منها. قد لا ينجح البعض منا في التخلص نهائيًا من خوفه من الحميمية ولكنه سيصبح أكثر قوة وتصميمًا على البقاء. 

5- تعلم تهدئة نفسك بتمارين التأمل والاسترخاء. حتى تستطيع التعامل مع شعور عدم الارتياح للحميمية أو حتى لمجرد فكرة الالتزام، يمكنك الجلوس وتعلُّم مراقبة شعورك بعدم الراحة. تعلم أن تجلس  دون فعل شيء ( أو تمشي أو تغسل الأطباق مثلًا) وتنفس بهدوء. عندما تبني عادة يومية لتهدئة نفسك، فإنك بذلك تعمل على إيجاد طريقة لتهدئة نفسك عندما تبدأ في الشعور بالغضب أو الرغبة في الانتقاد أو الرغبة الملحة في الهروب من العلاقة.

 

أخيرًا، ليس هناك حل كامل للتغلب على صعوبات التعلق؛ فليست كلها قابلة للعلاج. وعلى الرغم من ذلك، أغلبنا بإمكانه أن يواجه ويتقبل مخاوفه، ويتعلم التعامل معها والاستمتاع بالحب أخيرًا. فقط عليك أن تتذكر أنه ليس بإمكانك أن تغير الآخر. على كل منا أن يتحمل مسؤولية نفسه والالتزام بإيجاد الحب ورعايته. اختر بحكمة.



المصدر: psychologytoday

ترجمة: هاجر عبد الوهاب

الصور: Vectors by Vecteezy .. freevector